
قبل سبعِ سنواتٍ تقريباً، كنتُ أعمل على مشاريع تستغرق أسابيع طويلة، وأحتاج فيها كلَّ يومٍ إلى أن أتّصل بصديقٍ مبصر: عشر مرات، خمس عشرة مرة، أحياناً أكثر.
“هل هذا الزر في مكانه الصحيح؟” “هل المسافات متوازنة؟” “هل التنسيق ينتشر بالشكل الصحيح في كامل الصفحة؟”
لم أكن أطلبُ من أحدٍ أن يكتب الكود؛ فالكود ما أُتقنُه. كنتُ أطلب شيئاً أصعب: أن يكون أحدُهم عينيَّ.
وكان هذا، لسنواتٍ، الحاجز الأكبر في طريقي كمطوّرٍ كفيف. لم يكن المنطق البرمجي، ولا الخوارزميات، ولا قواعد البيانات. كان الجانب البصري وحده هو ما يقفُ بيني وبين أن أكون مطوّراً مُكتمل المهارات (Full-Stack)، يبني المنتج من أوله إلى آخره بيديه.
ثم تغيّرت قواعد اللعبة.
الحاجز الذي طال صموده
لا تأتي لغة CSS، بكلّ ما فيها من قوّة وجمال، مُيَسَّرَةً بطبيعتها للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية. لا توجد طريقة مباشرة يستطيع بها قارئ الشاشة أن يُوصِل إليَّ إحساس الواجهة: هل التباين بين اللون والخلفية مريح للعين؟ هل العناصر موضوعة حيث يتوقّعها المستخدِم؟ هل الصورة التي تتصدّر الصفحة تنقل الرسالة المطلوبة؟
كانت كل هذه الأسئلة تقعُ خارج عالمي الحسّي تماماً. ولأنّ المنطق البرمجي يخدم وظيفة الكود، بينما يخدم الجانب البصري تجربة المستخدم، كنتُ كأنّي أبني نصفَ منتج: أُتقنُ الجانب الذي لا يُرى، وأعتمد على غيري في الجانب الذي يُرى.
ولأكون صريحاً، كان هذا النموذج عبئاً على كل أطرافه: عليَّ، لأنه يُبقيني معتمداً على تَوَفُّر أحدهم في اللحظة المناسبة. وعلى أصدقائي، لأنني لم أكن أستطيع أن أُثقل عليهم في كل تفصيل. وعلى المنتج ذاته، لأن دورة التطوير كانت تتوقّف عند كلّ عنصر بصري حتى يأتي مَن يراه.
والأهم: كان هذا الاعتماد يحول بيني وبين أن أحكم بنفسي على جودة ما أبنيه، وأن أُحسّنه، وأن أتملّكه كأيّ مطوّرٍ آخر.
عينان جديدتان
اليوم، تبدّلت الصورة كلياً.
يتجاوز ما تمنحه نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة ما يدور في أذهان معظم الناس. يعرف الجميع أنها تُولّد النصوص، وتُولّد الصور. لكنّ ما لا يعرفه الكثيرون هو أنها قادرة على أن تكون عينَيك أيضاً.
أحد سير العمل التي أعشقها في روتيني اليومي، الدمج بين Claude وGemini 3 Pro Image. يصوغ Claude، بوصفه من أدق النماذج في صياغة المطالبات، مطالبةً (Prompt) مُحْكَمَة يُرسلها إلى Gemini، أفضل نموذج لتوليد الصور في هذه المرحلة. يعود بعد ذلك ليُعاين المخرج، ويُقيّم ما إذا كانت الصورة تخدم الغرض، ثم يُوظّفها في المشروع، أو يُعيد التوليد إن لم تكن مُقنعة.
لكنّ توليد الصور ليس إلا جزءاً صغيراً من المشهد. تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم أن تنظر إلى لقطة شاشة، وتصف لي ما تراه بدقّة: ترتيب العناصر، الألوان، الفراغات، الأخطاء البصرية التي قد لا يلتقطها قارئ الشاشة وحده. لم أعد بحاجة إلى أن أنتظر صديقاً ليُؤكّد لي أن قسماً معيّناً يَعرضُ بالشكل المطلوب؛ يكفي أن أُشارك Claude لقطة شاشة، وأسأله: ماذا ترى؟
وأبعد من القراءة، أُشركه في القرار: “هل هذا الزر باللون الأخضر متناسبٌ مع باقي العناصر؟ هل المسافة بينه وبين العنوان مريحة؟ هل ثمّة تحسين بصري تقترحه؟” يُجيب بنقد محدّد وعملي، يستند إلى مبادئ تصميم حقيقية، لا إلى مديح عام.
كذلك أُناقشه في تصميم تجربة المستخدم نفسها: كيف يتدفّق المستخدم من شاشةٍ إلى أخرى؟ هل ثمّة احتكاك في رحلة الشراء؟ كيف أُرتّب القائمة الجانبية لتخدم الفئات المستهدفة؟ يدور النقاش كأنّ في الفريق زميلاً جديداً، لا أداةً صمّاء.
كانت هذه الأدوار، من توليدٍ ومعاينةٍ وتقييمٍ ومناقشة، تتطلّب قبل سنواتٍ قليلة فريقاً كاملاً من المبصرين. أصبحت اليوم تحت تصرّفي أنا، وأنا وحدي.
ما يُدهشني في هذا التحوّل ليس الأدوات في ذاتها، بل ما تمنحه من استقلالية. أستطيع اليوم أن أُقيّم جمال ما أبنيه، وأن أحكم على جودة منتجي بصرياً، وأن أُعيد وأُحسّن بنفسي، في دورة تطوير كاملة. هذه ليست ترَفاً؛ بل هي ذات الاستقلالية التي طالبنا بها كمجتمع ذوي الإعاقة منذ عقود، وبدأت تتحقّق، ولو في زاويتي الصغيرة من العالم.
لم يعد الكفيف رهينَ الرؤية المفقودة. مع الإصرار والصبر والتجربة المتواصِلَة، يبني تطبيقاتٍ متكاملة، ويُطْلِق مواقع تستحقّ أن تُرى، ويتعامل مع الجوانب البصرية كمُبْدِعٍ لا كمُسْتأذِن.
لكنّ النظرة إلينا لم تتغيّر بعد
غير أن هذا التمكين التقني، بكل ما يحمله من تفاؤل، يَصْطَدِم بواقعٍ آخَر لم يتطوّر بالسرعة ذاتها.
في عالَم التقنية تحديداً، لا يزال يُنظَر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم مُسْتَهْلِكين لا مُنتِجين. مستفيدين من الخدمات، لا صُنّاعاً لها. جمهوراً تُطوَّر له الحلول، لا فريقاً يُطوّرها.
وإن كنتَ تظنّ هذه النظرة قد تلاشت، فدَعْني أشارِكُك من تجربتي:
كم من مقابلةٍ أُغْلِقَ بابُها في وجهي قبل أن تُقْرَأ سيرتي الذاتية. لم يكن الحاجز كفاءتي، ولا مشاريعي، ولا أسطر الكود التي كتبتُها؛ بل افتراضاً واحداً: “كفيف، إذاً لا يعرف البرمجة.”
ورأيتُ النمط ذاته يتكرّر في حواراتٍ كثيرة: مُحاوِرون يتعاملون مع المرشّح ذي الإعاقة وكأنه يحتاج إلى مُعاملة خاصة، بقُفّازٍ سميك، لا مُرشّحاً تُقاس كفاءته كما تُقاس كفاءة غيره. يَسألون أسئلةً تفترض الهشاشة لا الاستقلالية، ويُجيبون بأنفسهم عن أسئلة لم تُطرَح.
تَنُمّ هذه النظرة، ولستُ أُبالِغ، عن قصورٍ حقيقيّ في فَهم القدرات اليوم. لم تكن صحيحة قبل سنوات، وهي أبعد ما تكون عن الصحة الآن، بعد كل ما منحَتْنا إياه التقنية من أدوات تمكين.
يبني الأشخاص ذوو الإعاقة، ويُطْلِقون، ويُصمّمون. يكتبون الكود، ويقودون فِرَقاً، ويُسهمون في صياغة أنظمة وسياسات تؤثّر في ملايين البشر. لسنا جمهوراً يَنْتَظِر أن تُرضِيَه الشركات بميزة “Accessibility” في قائمة الإعدادات؛ بل شركاء في صناعة المنتجات من البداية.
خاتمة
انتقل التصميم البصري، الذي طالما كان من أعلى الحواجز في طريق كل مطوّر كفيف، من حاضرٍ مُعيق إلى ماضٍ نتحدّث عنه كذكرى. وهذا إنجازٌ يستحقّ الاحتفاء.
لكنّ الرحلة لم تكتمل. فمع كل تحوّل تقنيّ منحَنا إياه هذا العصر، تقف أمامنا صورة ذهنية لم تُراجَع منذ عقود: صورة تُقزّم أصحاب الإعاقة إلى مستخدمين، بينما هم في الواقع بناة.
إلى أصحاب العمل والمُحاوِرين في عالم التقنية: حين تُقابِلون مرشّحاً من ذوي الإعاقة، قِيسوه بمعاييركم كاملةً، كما تَقيسون أيَّ مرشّح آخر. تعاملوا مع قدراته كحقائق، لا كافتراضات. وإن لم تعرفوا كيف يعمل قارئ الشاشة، أو كيف يُبرمج الكفيف، فاسألوا بنزاهة وفضول، بدلاً من أن تُغْلِقوا الباب قبل أن يُفتَح.
وإلى زملائي من ذوي الإعاقة: نحن في لحظة تاريخية نادرة، ولدينا من الأدوات ما يُمكّننا أن نكون حيث نستحقّ أن نكون. فلنَبْنِ إذاً، ولنُطْلِق تطبيقات جميلة تستحقّ أن تُرى، وأن يُشار إليها، ولنُثبت بالعمل أنّ المستقبل لنا، كما هو للآخرين.