إش صار؟

المقال

رسم كاريكاتوري لعبدالعزيز في صالة سينما، يرتدي ثوباً أبيض ونظارات شمسية داكنة ويميل نحو امرأة محجبة تجلس إلى جانبه. فوقه ثلاث فقاعات حوار متتالية تقول "إش صار؟". تطوي المرأة ذراعيها وعلى وجهها تعابير الإحباط، بينما يلتفت إليهما عدد من الجمهور بنظرات انزعاج. وتظهر شاشة السينما مضاءةٌ خلفهم.

في كل مرة أذهب فيها إلى السينما مع زوجتي، يتكرر المشهد ذاته: يتسارع إيقاع الفيلم، فأقترب منها وأهمس: “إش صار؟ إش قال؟ من هذا؟”، إذ لا أعرف الشخصيات بعد ولم أحفظ أصواتها. وهي تحاول التركيز مع الفيلم لأنها تريد أن تستمتع كبقية الناس، وفي الوقت ذاته تحاول أن تشرح لي، لكن شرحها يأتي مقتضباً بسبب سرعة الأحداث. فلا أنا أفهم ما يدور حولي، ولا هي تستطيع الشرح بشكل كافٍ.

في إحدى المرات، التفتت إلينا سيدة وقالت: “إذا ممكن، نحتاج هدوءاً لنركز.” واستحييت كثيراً من هذا الموقف، رغم أن من حقها تماماً أن تطلب ذلك. فالمشكلة ليست فيها ولا فيّ، بل في غياب خدمة كان يجب أن تكون موجودة منذ اليوم الأول.

ما الوصف الصوتي؟

الوصف الصوتي (Audio Description) هو مسار صوتي إضافي يُدمج مع الفيلم، يصف فيه راوٍ ما يحدث على الشاشة خلال فترات الصمت بين الحوارات: حركات الشخصيات، وتعبيرات وجوههم، وتغيّر المشاهد، وكل ما لا يمكن فهمه من الصوت وحده. يرتدي المشاهد سماعة رأس في أذن واحدة تبث الوصف، بينما يسمع صوت الفيلم الأصلي بالأذن الأخرى، فيحصل على التجربة كاملة دون أن يُزعج أحداً.

جهاز استقبال الوصف الصوتي في صالات السينما: علبة سوداء صغيرة بحجم كف اليد تقريباً، مزودة بمشبك للحزام ومفتاح للتحكم بمستوى الصوت على جانبها، يتصل بها سلك رفيع ينتهي بسماعة أذن واحدة. الجهاز موضوع على مسند مقعد سينما مخملي بلون أحمر داكن، وتظهر في الخلفية صفوف مقاعد السينما الفارغة بإضاءة دافئة.

إن أردت أن تسمع كيف يبدو ذلك عملياً، شاهد هذا المقطع من فيلم The Lion King بالوصف الصوتي على يوتيوب، وستفهم الفرق فوراً.

البداية: عالم جديد انفتح أمامي

اكتشفت الوصف الصوتي عام 2016 وأنا في الجامعة. كان الفيلم الأول الذي شاهدته بالوصف الصوتي هو Home Alone، وأذكر أنني كنت أضحك بشدة من المؤثرات الصوتية ومن المشهد الذي يُشغّل فيه كيفن مقطعاً من فيلم قديم. كانت تجربة كاملة لأول مرة في حياتي، ففهمت كل شيء: ما يحدث على الشاشة، ولماذا يضحك الناس، وما الذي يجعل المشهد مضحكاً أصلاً.

كان ذلك أول تفاعل حقيقي لي مع الأفلام بعد أن تحسنت لغتي الإنجليزية بما يكفي لأفهم دون الاعتماد على ترجمات أو شروحات مختصرة. فانفتح أمامي عالم كامل، لدرجة أنني تركت بعض المواد الدراسية في ذلك الفصل لأنني كنت منغمساً تماماً في هذا العالم الجديد.

خمسة مكفوفين وراوٍ واحد مرتبك

تجربتي الأولى في صالة سينما حقيقية كانت عام 2018 في البحرين. ذهبنا خمسة أشخاص مكفوفين مع صديق مبصر واحد هو الذي قادنا إلى هناك، وكان الفيلم هو عصمت أبو شنب، وهو فيلم كوميدي مصري. سألت الموظف عند الدخول: “هل عندكم سماعات للوصف الصوتي؟”، فنظر إليّ نظرة من لا يعرف عمّا أتحدث.

تخيّل المشهد: خمسة مكفوفين يتحلّقون حول شخص مبصر واحد، وهو لا يدري أيتابع الفيلم أم يصف لنا ما يحدث. وفي أحد المشاهد، ساد صمت تام في الصالة ثم انفجر الجميع ضاحكين، بينما كل ما سمعناه نحن هو صوت إشعارات واتساب متتالية. التفتنا إلى بعضنا متسائلين: “من الذي يشغّل نغمة الواتساب؟”، لنكتشف لاحقاً أن المشهد كان رسائل تُتبادل على الشاشة بين شخصيتين. الجمهور يقرأ ويضحك، ونحن لا نرى حرفاً واحداً.

ضحكنا كثيراً في ذلك اليوم، لكن ليس دائماً على الفيلم.

ثم ذهبت إلى أمريكا

في عام 2019، سافرت إلى وادي السيليكون ضمن رحلة ريادية. كنت قد سمعت من أصدقائي الأمريكيين عن سماعات الوصف الصوتي في صالات السينما، فذهبت إلى صالة Century 20 في مدينة ريدوود سيتي لمشاهدة فيلم The Lego Movie 2.

كانت العملية بسيطة: طلبت سماعة عند الكاونتر، فأعطوني جهازاً صغيراً بسماعة أذن واحدة. جلست، وبدأ الفيلم، وبدأ معه الوصف الصوتي.

لا أستطيع أن أصف لكم ما شعرت به. أن تضحك في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الجميع، وأنت تعرف تماماً لماذا تضحك. أن تتابع كل مشهد وكل حركة وكل تعبير. لم أسأل صديقي الذي كان بجانبي “إش صار؟” ولا مرة واحدة. كان الأمر وكأنني أرى. حقاً أرى.

تلك الأغنية من الفيلم لا تزال عالقة في رأسي حتى اليوم.

العودة إلى أرض الواقع

افتُتِحَت صالات السينما في المملكة العربية السعودية في أبريل 2018، وكان أول عرض هو فيلم Black Panther في صالة AMC بالرياض. فرحت كثيراً بهذا الخبر، إذ ظننت أن التجربة ستكون مكتملة.

لكنني حين ذهبت إلى السينما بعد زواجي، اكتشفت أن لا سماعات ولا وصف صوتي ولا أي تجهيز. فعدت إلى المربع الأول: أهمس لزوجتي “إش صار؟”، وهي تحاول أن تجمع بين متابعتها ومتابعتي، والناس حولنا ينزعجون من الهمس المتكرر.

في كل مرة أخرج فيها من صالة السينما، أسأل: “يا جماعة، أين السماعات المخصصة للوصف الصوتي؟”، فأجد وعياً شبه معدوم بالموضوع.

لماذا لا يتوفر الوصف الصوتي؟

المفارقة أن التقنية ليست معقدة ولا مكلفة. فاستوديوهات الإنتاج الكبرى مثل Universal وWarner Bros. تُضمّن مسار الوصف الصوتي في حزمة السينما الرقمية (DCP) التي تُرسَل إلى صالات العرض كجزء من الحزمة الأساسية. أي أن المسار يصل إلى الصالة مع الفيلم، جاهزاً للتشغيل. كل ما تحتاجه الصالة هو توفير سماعات الرأس للمشاهدين وتفعيل المسار.

في الولايات المتحدة، يُلزم قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة (ADA) صالات السينما بتوفير الوصف الصوتي منذ عام 2017. وفي المملكة، نصّ نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على حق الوصول إلى المحتوى المرئي والمسموع، غير أن صالات السينما ومنصات البث لا تلتزم بتوفير هذه الخدمة، ولم تُفَعَّل بعد آليات واضحة لضمان الالتزام.

وإذا وسّعنا الدائرة خارج صالات السينما، نجد أن منصات البث العربية لا يتوفر فيها الوصف الصوتي تقريباً. حتى Disney+ التي كانت توفر الوصف على بعض أفلامها حين كانت تُعرض عبر OSN، لم تعد توفره على أفلامها العربية. ومن الاستثناءات القليلة التي تستحق الإشادة ما قدمه فريق مسامير الذي أضاف وصفاً صوتياً باللغة العربية على أعماله المنشورة في نتفليكس.

الثقافة ليست ترفاً

أؤمن إيماناً عميقاً بأن الإنسان يثري ثقافته من خلال ما يقرأ وما يسمع وما يشاهد، فهذه هي النوافذ التي يتسع من خلالها خياله وتتعمق مداركه. حين كنت صغيراً، كنت أعتمد على إخوتي وأخواتي ليصفوا لي مشاهد مسلسلات سبيستون وغيرها، وما لم يصفوه كنت أحاول تخيّله من الأصوات. لكن هذا الأسلوب لا يصلح مع كل شيء، إذ إن أفلام الحركة (Action) بإيقاعها السريع يستحيل متابعتها بالاعتماد على شخص يجلس بجانبك. ولذلك، فإن أفلاماً مثل أفلام Marvel لم أتمكن يوماً من مشاهدتها في السينما، فكنت أنتظر صدورها على المنصات الكبيرة حيث يتوفر الوصف الصوتي.

حق، لا استعطاف

نصّت المادة الرابعة عشرة من نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة العربية السعودية على أن “للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في الوصول إلى المحتوى (المقروء، والمرئي، والمسموع) والاستفادة منه.” والسينما محتوى مرئي ومسموع بامتياز، فغياب الوصف الصوتي فيها ليس مجرد نقص في الخدمة، بل هو مخالفة لروح النظام ونصّه.

تخيّل أنك جالس في صالة سينما مظلمة، وأغمضت عينيك طوال الفيلم. هل ستكون قادراً على فهم ما يحدث؟ وكيف يُتوقع مني أن أدفع سعر التذكرة كاملاً ولا أحصل على التجربة ذاتها التي يحصل عليها غيري؟

في المملكة وحدها، يعيش ما يقارب مليون شخص من ذوي الإعاقة البصرية، 75% منهم مكفوفون كلياً. وعالمياً، يعيش 2.2 مليار شخص مع إعاقة بصرية بحسب منظمة الصحة العالمية. هؤلاء ليسوا أرقاماً، بل أشخاص يريدون أن يشاهدوا فيلماً ويضحكوا مع الجميع في اللحظة ذاتها.

الوصف الصوتي ليس تفضّلاً أو إضافة كمالية. إنه حق، كفله النظام، وأتاحته التقنية، ولا ينقصه سوى الإرادة.

فمتى نتوقف عن السؤال: “إش صار؟”

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

تعديل الملف الشخصي

لتغيير صورتك، زر gravatar.com

سيتم تحديث اسمك في جميع تعليقاتك العربية السابقة.

منطقة الحذف

حذف الحساب نهائياً؟

سيُحذف حسابك وجميع تعليقاتك من هذه المدوّنة. لا يمكن استرجاعها.